بن عيسى باطاهر

156

المقابلة في القرآن الكريم

سننه تعالى الاجتماعية العمل والسعي والأخذ بالأسباب الموجبة لجلب الرزق . وفي هذا مقتضى التوكل عليه تعالى ، ومنه سبحانه التوفيق والإعانة ، فلهذا يجب الأخذ بالأسباب الكسبية ، والقيام بالعمل المؤدي إلى إبعاد الفقر . وقد فهم المؤمنون الأوائل هذا الوعد فلم يمنعهم ذلك من العمل والسعي والجهاد حتى حقق اللّه وعده بالغنى ، وأبعد عنهم الفقر ، وفتح لهم البلاد ، وقد أغناهم اللّه بأن هدى للإسلام أهل تبالة وجرش من بلاد اليمن ، فأسلموا عقب ذلك ، وكانت بلادهم بلاد خصب وزرع فحملوا إلى مكة الطعام والميرة ، وأسلم أيضا أهل جدّة وبلدهم مرفأ ترد إليه الأقوات من مصر وغيرها ، فحملوا الطعام إلى مكة ، وأسلم أهل صنعاء من اليمن ، وبلدهم تأتيه السفن من أقاليم كثيرة من الهند وغيرها » « 1 » . والآية الكريمة حين تقابل بين الغنى والفقر بهذا الأسلوب الذي يعد من أبسط صيغ المقابلة إنّما تهدف إلى طمأنة نفوس المؤمنين من هذا الجانب الخطير وهو الجانب الاقتصادي الذي يتعلق به مصير الفرد والمجتمع ، وتهدف كذلك إلى الدعوة إلى محاربة الفقر والسعي إلى اجتثاثه وقلعه ، واعتباره من الآفات الخطيرة التي تهدّد المجتمع المسلم ، كما أنها تهدف إلى أمر عقدي يتعلق بقدرة اللّه سبحانه وأنّه يملك مفاتيح الغنى ، وأنّه القادر على إعانة المؤمنين في سعيهم الحثيث إلى محاربة الفقر ، فهو الذي يملك الأسباب وهو العليم الحكيم ، أي عليم بما يكون من مستقبل أمر البشر في الغنى والفقر ، حكيم فيما يشرعه لهم من أمر ونهي ، وهو وحده المستحق للعبادة والخضوع . وقال تعالى في سورة التوبة : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ التوبة : 75 - 76 ] .

--> ( 1 ) محمد الطاهر بن عاشور - تفسير التحرير والتنوير - ج 10 ص 161 .